الاثنين، 30 يناير، 2012

جمعة الغضب في ذكراها.. حكاية يوم غير وجه مصر الى الابد

أحمد القاعود
2012-01-29




قبل عام بالضبط كان الموعد مع اليوم الذي غير وجه مصر، وربما الشرق الأوسط بأكمله، لم يكن 28 كانون الثاني يناير باليوم العادي، أو اليوم المألوف، أوحتى المتكرر في أحداثه، يوم ليس كغيره من الأيام، لا السابقة له ولا التالية، هذا التفرد تجسد في تسميته، وهو جمعة الغضب، قبل هذه الجمعة بثلاثة أيام لم أتوقع وغيري كثير أن ثورة ما ستحدث في مصر، تنكأ جراحها، لتقوم بعميلة تطهير لها، ومعالجة، فمصر في اعتقادي دولة لم كبيرة لم تعش شبابها، قبل 25 كانون الثاني الجدل والحديث كان هل حقا سنفعل شيئا، هل سنكون مثل شعب تونس، ونهزم طاغية لا يقل وحشية عن زين العابدين بن علي، كان الكثير يستبعد ، وفي نفس الوقت يتمنى.
كنت لا زلت وزملائي في اعتصام كبير ومؤثر في جريدة الدستور، بسبب اقالة رئيس تحريرها الأسبق ابراهيم عيسى، وقتها اعتبرنا ذلك الاعتصام مختلف نوعا ما، لانه لم يقم من أجل مادة أو مطالبة بحقوق، وانما من أجل ضمير وقضية، وهو ما جعله اعتصام ذائع الصيت ليس في مصر فقط وانما تتطايرت أخباره لتصل صحف ووسائل اعلام دولية كبرى، لنقل اذن دون مبالغة أنه كان ارهاصة من ارهاصات الثورة المصرية. استقبلنا عام 2011 الجديد بجريمة اعتداء وحشي على مواطنين مسيحيين في الاسكندرية أثناء الاحتفال بعيد رأس السنة، تلتها جريمة تعذيب وحشية للشاب سيد بلال لاجباره على الاعتراف بأنه مشارك في تنفيذ الجريمة.
على كل بداية العام كانت غريبة ومؤلمة لكل نفس حرة، لكن أحلك الأوقات تلك التي تسبق الفجر، ففي خضم الألم تتوارد الأنباء من تونس في الأيام الثلاثة الأخيرة لثورتها، أن ثمة نورا يلوح في الأفق، وطريقا يشق بالدماء لايصال شعوبنا من الذل الى الكرامة، وبين تنازع الأحاسيس والمشاعر عبرت والدتي عن قلقها لي من المشاركة في مثل هذه الأحداث، لكني كنت عازما على النزول، ليلة 25 كانون الثاني/ يناير، كتبت على موقع التواصل الاجتماعي، فيس بوك 'موعدكم الصبح، تصبحون على ثورة' عندما خرجت للمشاركة فيما لم أكن أتوقع في النهار، وجدت المنظر مختلفا، عدة الاف تتحرك من أمام دار القضاء العالي في القاهرة، للمرة الأولى وتهتف 'تغيير، حرية، عدالة اجتماعية' بعد دقائق وكنا على بعد خطوات من ميدان عبدالمنعم رياض، تحول الهتاف الى 'الشعب يريد اسقاط النظام' لم أصدق ما أشارك به، كسرنا حاجز جنود الأمن المركزي الواحد تلو الاخر انطلقنا في ميدان التحرير، وحتى وصلنا مجلس الشعب، ' الحرامية أهم ' كان ذلك الهتاف جديدا، أمام مؤسسة سيادية وقتها تأكدت أن دولة جديدة تولد، بعد دقائق أصدرت مدرعات الأمن المركزي صافراتها وبدأت في اطلاق قنابل الغاز، وتلك كانت المرة الأولى التي استنشقه فيها، وبدأت المطاردات، والاصابات، كر وفر عدنا مرة أخرى الى الميدان بدأت المسيرات بالالاف تتوافد من كوبري قصر النيل، كان المشهد رائعا، وثوريا، بقينا في الميدان حتى الليل، حيث فض الأمن المركزي أضخم تظاهرة عرفتها مصر وقتها بالغازات، كنت أخشى أن أفقد الوعي، وأنا أركض مع الالاف في شارع طلعت حرب وأشعر باختناق ودموعي تسيل، الى أن نجحت في دخول شارع جانبي ومنه الى ميدان رمسيس حتى ذهبت للمنزل، في اليوم التالي أحسست بأن الأمل الذي عشته بالأمس بدأ يتلاشى، أين ذهب الناس، أين راحت الثورة، بعد وقت العصر، وكنا في مقر موقع الدستور الأصلي الاليكتروني، سمعنا أصواتا تهتف في شوارع وسط القاهرة، الشعب يريد اسقاط النظام، على الفور نزلت وزملائي للمشاركة، وتحمل مطاردات الشرطة لما، لكن الأنباء القادمة من مدينة السويس، كانت جيدة، كان الموقف هناك بدأ في الاشتعال، وعلى عكس القاهرة والاسكندرية، لكن القاهرة بضخامتها، انتظرت الدعم المعنوي على الأقل من السويس، وسقط أول شهيد في الثورة المصرية، في يوم الخميس الذي تلاه، اشتعلت السويس على غير العادة وتزايدت الاشتباكات، وتوالى سقوط الشهداء، أما نحن في القاهرة فكنا غالبا نظهر بعد صلاة العصر وسط القاهرة نطوفها ونهتف هتافا كنت ولا زلت اعتبره الأروع 'انزل انزل خليك راجل، بكرة مبارك راحل راحل'. ونطالب من ينظرون الينا من الشرفات بالنزول والانضمام الينا، وقتها تحولت وسط القاهرة الى ثكنة عسكرية وكر فر بين الثوار الأوائل وقوات الشرطة.
في اليوم التالي الذي غير وجه مصر الى الأبد، نزلت من المنزل مبكرا لأتمكن من الصلاة وسط القاهرة، ركبت سيارة من الطريق الدائري بالقرب من منزلي وحتى محور 26 يوليو، ومن المحور أخدت حافلة عامة الى ميدان عبدالمنعم رياض، في الحافلة تحدثت الى رجل كبير كان يتحدث ويبدو عليه الخوف من أن يسمعه أحد لكنه كان عازما على المشاركة في التظاهرات، وصلنا الميدان، كان خاليا، الا من رجال الشرطة بزي مدني، وبعضهم بزي عسكري، وبعض الشباب الذين يتم توقيفهم وتوجيههم للعودة الى منازلهم لخطورة الموقف، وسيارات يحتجز بها بعض الشباب، استوقفني أمين شرطة بلباس مدني، أخذ هويتي الشخصية، سألني 'رايح فين يا أحمد ؟ اجبته الشغل' ووصفت له مكانه، 'وهو فيه شغل الجمعة؟ ' قلت له أنني صحافي واريد الذهاب للعمل، أخذني الى ضابط وأراه هويتي قالي لي الضابط 'روح أحسن بدل ما حد يمسكك' قلت له 'مش هينفع لازم أروح الشغل' قال لي ناصحا: 'امشي بسرعة بدل ما حد يمسكك' وصلت المقر وجدته مغلقا، بعد رحلة وسط شوارع مغلقة الأبواب كنا قبل صلاة الجمعة بقليل ولايوجد مارة، فتوجهت الى مسجد رئيسي وقريب، كان الوضع داخل المسجد متوترا، وينبئ بحدوث شيء هام، جنود الأمن بلباس مدني منتشرين وهناك ضباط كثر، بدأ الخطيب يتحدث عن ضرورة محاربة الفساد، واقالة الوزراء الفاسدين، بل وربما في رأيه اقالة الحكومة، بين وقت واخر كان يقوم شخص بتوزيع شيء ما على المصلين، فيطلب منه الخطيب الجلوس، بعد انتهاء الصلاة، وقف شخص وسط المصلين أعتقد من هيئته أنه ينتمي الى جماعة الاخوان المسلمين' وهتف 'يسقط يسقط حسني مبارك' لم يرد أحد على هتافه وسارع بالخروج من المسجد ثم ردد الهتاف وبدأ المواطنون بالهتاف، وجاءت الينا مدرعة الأمن المركزي لتلقي قنبلة وتعود مرة أخرى، ظللنا ندور ورجال الشرطة في محيط شوارع وسط القاهرة، ميادان مغلقة بحواجز من الجنود والمدرعات، والاف ينضمون ويخرجون من شوارع لا ندري من أين يأتون، يتفرقون ثم يتجمعون، واضافة الى هؤلاء كان هناك بلطجية من ضحايا نظام مبارك، يظهر على هيئتهم اصابات البلطجة، أخرجوا خصيصا لمهاجمة المتظاهرين، ظللنا فترة الى أن تعبت توجهت الى مقر العمل ، كان بواب العمارة التي يتواجد بها يشغل التلفاز بدأ التشويش على قناة الجزيرة، الى أن انقطعت نهائيا، وهو ما سبب الضيق لي ولزملائي، حيث كنا نتابع ما يحدث وكان معظمه قادما من السويس، وفي ظل عدم وجود هواتف نقالة، أو قناة اخبارية رئيسية تنقل ما يحدث عندنا الى زمن التسعينات وقت أن كانت القناة الأولى والثانية هي الموجودة في التلقاز ويتصل الناس ببعضهم البعض بالهاتف الأرضي فقط، اضافة الى أن الانترنت توقف عندنا يومها للوارء 15 عاما، بعد فترة عدت الى الشارع ثم الى العمل حيث كنا نتابع ما يذاع في التلفاز ونقوم بارساله لشخص خارج مصر لتغذية الموقع.
قبل وقت المغرب كانت مدرعات الشرطة تسير في الشوارع المهجورة بسرعة، كان هناك شيء غريب يحدث، عرفنا فيما بعد أنه انسحاب من الشوارع، بعد فترة ومن خلال اتصالات يقوم بها زملائنا من خلال الهاتف الأرضي الموجود في العمل عرفنا أن هناك قرارا بنزول الجيش الى الشوارع، وفرض حظر التجوال، قام زميل لنا باستعجالنا للنزول والذهاب للمنزل، تمكنت وقتها من الاتصال بزوجتي في المنزل واخبرتها بأني سأعود، في الشارع كان الجميع يجري ويسرع فلم يكن مألوفا أن ينزل الجيش الى الشوارع، وفي محطة المترو كان الجميع ينزل مسرعا دون أن يقطع تذاكر ويساعدهم في ذلك الموظفون، ركبت المترو حتى محطة فيصل، خرجت من المحطة، لاتابع التلفاز في أحد المقاهي كان الجميع يتابع وقته القنوات الاخبارية كانت قناة العربية هي التي تنقل بعد وقف الجزيرة، ظللت منتظرا كغيري ظهور الرئيس مبارك، فالأخبار توحي أنه سيتحدث بعد قليل، لكننا اعتدنا فيما بعد أنه يخرج بعد منتصف الليل، وهو ما حدث يومها.
بعد نحو ساعة من الانتظار، قررت الذهاب للمنزل، كنت أخشى أن يفوتني هذا الخطاب التاريخي، لكني عندما وصلت الى المنزل انتظرت أيضا عدة ساعات حتى ظهر الرئيس في ساعة متأخرة من ذلك اليوم، خلال هذه الساعات احترق مقر الحزب الوطني، ذلك المقر كنت اعتبره ناديا لأصحاب المصالح والمنتفعين وعديمي المبادئ، وهوجم المتحف المصري، مثل ذلك كارثة بالنسبة لي.
ظللت أتابع الأخبار لكنني شعرت بالندم أني عدت للمنزل لأن غيري عاد الى ميدان التحرير. مضى يوم هو الأروع والأجمل والأنبل في تاريخ المصريين، يوم كسر ظلم الحاكم وأرهبه، يوم هز العالم، وسيطر على حديثه، يوم غضب فيه المصريون، انه جمعة الغضب.

' كاتب من مصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق